الخطيب الشربيني
261
مغني المحتاج
حال بينهما حتى يظن أنه عدل ، إذ لو لم يحل بينهما واقتصر على التعزير لربما بلغ منها مبلغا لا يستدرك اه . وهذا ظاهر . فمن لم يذكر الحيلولة أراد الحال الأول ، ومن ذكرها كالغزالي والحاوي الصغير والمصنف في تنقيحه أراد الثاني ، والظاهر كما قال شيخنا أن الحيلولة بعد التعزيز ، والاسكان وإن كان لا يتعدى عليها لكنه يكره صحبتها لكبر أو مرض أو نحوه ويعرض عنها فلا شئ عليه . ويسن لها أن تستعطفه بما يجب كأن تسترضيه بترك بعض حقها كما تركت سودة نوبتها ل عائشة ، فكان ( ص ) يقسم لها يومها ويوم سودة ، كما أنه يسن له إذا كرهت صحبته لما ذكر أن يستعطفها بما تحب من زيادة نفقة ونحوها . ثم شرع فيما إذا كان التعدي منهما بقوله : ( وإن قال كل ) من الزوجين ( إن صاحبه متعد ) عليه ، وأشكل الامر بينهما ، ( تعرف القاضي الحال ) الواقع بينهما ( بثقة ) واحد ( يخبرهما ) بفتح المثناة التحتية أوله وضم الباء الموحدة بعد الخاء المعجمة ، ويكون الثقة جارا لهما ، فإن لم يتيسر أسكنهما في جنب ثقة يتعرف حالهما ثم ينهى إليه ما يعرفه . واكتفى هنا بثقة واحد تنزيلا لذلك منزلة الرواية لما في إقامة البينة عليه من العسر ، وظاهر هذا أنه لا يشترط في الثقة أن يكون عدل شهادة بل يكفي عدل الرواية ، ولهذا قال الزركشي : والظاهر من كلامهم اعتبار من تسكن النفس بخبره ، لأنه من باب الخبر لا الشهادة . ( و ) إذا تبين له حالهما ( منع الظالم ) من عوده لظلمه ، وطريقه في الزوج ما سلف ، وفي الزوجة بالزجر والتأديب كغيرها . ( فإن اشتد الشقاق ) بكسر الشين : أي الخلاف والعداوة بينهما ، مأخوذ من الشق ، وهو الناحية ، إذ كل واحد صار في ناحية ، وذلك بأن دام بينهما التساب والتضارب وفحش ذلك . ( بعث ) القاضي ( حكما من أهله وحكما من أهلها ) لنظر في أمرهما بعد اختلاء حكمه به وحكمها بها ومعرفة ما عندهما في ذلك ، ولا يخفى حكم عن حكم شيئا إذا اجتمعا ويصلحا بينهما أو يفرقا بطلقة إن عسر الاصلاح على ما يأتي ، الآية : * ( وإن خفتم شقاق بينهما ) * والخطاب فيها للحكام ، وقيل : للأولياء . والبعث واجب كما صححه في زيادة الروضة وجزم به الماوردي ، وإن صحح في المهمات والاستحباب لنقل البحر له عن نص الشافعي ، وقال الأذرعي : بل ظاهر نص الام الوجوب . وأما كونهما من أهلهما فمستحب غير مستحق إجماعا كما في النهاية ، لأن القرابة لا تشترط في الحاكم ولا في الوكيل . تنبيه : اقتضى كلام المصنف عدم الاكتفاء بحكم واحد ، وهو الأصح لظاهر الآية ، ولان كلا من الزوجين يتهمه ولا يفشي إليه سره . ( وهما وكيلان ) في الأظهر ( لهما ) أي عنهما . ( وفي قول ) هما حاكمان ( موليان من الحاكم ) واختاره جمع ، لأن الله تعالى سماهما حكمين ، والوكيل مأذون ليس بحكم . ووجه الأول أن الحال قد يؤدي إلى الفراق ، والبضع حق الزوج ، والمال حق الزوجة ، وهما رشيدان ، فلا يولى عليهما ، ولان الطلاق لا يدخل تحت الولاية إلا في المولى ، وهو خارج عن القياس . ( فعلى الأول يشترط رضاهما ) يبعث الحكمين . ويشترط في الحكمين : التكليف ، والاسلام ، والحرية ، والعدالة ، والاهتداء إلى المقصود بما بعثا له ، ولا يشترط فيهما الذكورة وإنما اشترط فيهما ذلك مع أنهما وكيلان لتعلق وكالتهما بنظر الحاكم كما في أمينه . ( فيوكل ) الزوج إن شاء ( حكمه بطلاق وقبول عوض خلع ، وتوكل ) الزوجة إن شاءت ( حكمها ببذل عوض ) للخلع ( وقبول طلاق به ) أي العوض كسائر الوكلاء . ويفرق الحكمان بينهما إن رأياه صوابا ، وإن اختلف رأيهما بعث القاضي اثنين غيرهما حتى يجتمعا على شئ . فإن أغمي على أحد الزوجين أو جن ولو بعد استعلام الحكمين رأيه لم ينفذ أمرهما لأن الوكيل ينعزل بالاغماء والجنون ، وإن أغمي على أحدهما أو جن قبل البعث لم يجز بعث الحكمين ، وإن غاب أحدهما بعد بعث الحكمين نفذ أمرهما كما في سائر الوكلاء ، فإن لم يرض الزوجان ببعث الحكمين ولم يتفقا على شئ أدب القاضي الظالم منهما واستوفى المظلوم حقه ويعمل بشهادة الحكمين . وعلى القول الثاني يشترط في الحكمين الذكورة